ابن قيم الجوزية
406
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
التوكل والتفويض ، قبل وقوع المقدور . والرضى بعده . وهو ثمرة التوكل . والتفويض علامة صحته ، فإن لم يرض بما قضي له . فتفويضه معلول فاسد . فباستكمال هذه الدرجات الثمان يستكمل العبد مقام التوكل . وتثبت قدمه فيه ، وهذا معنى قول بشر الحافي : يقول أحدهم : توكلت على اللّه ، يكذب على اللّه ، لو توكل على اللّه لرضي بما يفعله اللّه به . وقول يحيى بن معاذ - وقد سئل : متى يكون الرجل متوكلا ؟ - فقال : إذا رضي باللّه وكيلا . وكثيرا ما يشتبه في هذا الباب المحمود الكامل بالمذموم الناقص . فيشتبه التفويض بالإضاعة . فيضيع العبد حظه ، ظنا منه أن ذلك تفويض وتوكل ، وإنما هو تضييع لا تفويض ، فالتضييع في حق اللّه ، والتفويض في حقك . ومنه : اشتباه التوكل بالراحة ، وإلقاء حمل الكلّ . فيظن صاحبه أنه متوكل . وإنما هو عامل على عدم الراحة . وعلامة ذلك : أن المتوكل مجتهد في الأسباب المأمور بها غاية الاجتهاد ، مستريح من غيرها لتعبه بها ، والعامل على الراحة آخذ من الأمر مقدار ما تندفع به الضرورة ، وتسقط به عنه مطالبة الشرع فهذا لون ، وهذا لون . ومنه : اشتباه خلع الأسباب بتعطيلها ، فخلعها توحيد ، وتعطيلها إلحاد وزندقة . فخلعها عدم اعتماد القلب عليها ، ووثوقه وركونه إليها مع قيامه بها ، وتعطيلها إلغاؤها عن الجوارح . ومنه : اشتباه الثقة باللّه بالغرور والعجز . والفرق بينهما : أن الواثق باللّه قد فعل ما أمره اللّه به ، ووثق باللّه في طلوع ثمرته ، وتنميتها وتزكيتها ، كغارس الشجرة ، وباذر الأرض ، والمغترّ العاجز : قد فرّط فيما أمر به ، وزعم أنه واثق باللّه ، والثقة إنما تصح بعد بذل المجهود . ومنه : اشتباه الطمأنينة إلى اللّه والسكون إليه ، بالطمأنينة إلى المعلوم ، وسكون القلب إليه . ولا يميز بينهما إلا صاحب البصيرة . كما يذكر عن أبي سليمان الداراني : أنه رأى رجلا بمكة لا يتناول شيئا إلا شربة من ماء زمزم . فمضى عليه أيام ، فقال له أبو سليمان يوما : أرأيت لو غارت زمزم ؛ أي شيء كنت تشرب ؟ فقام وقبل رأسه ، وقال : جزاك اللّه خيرا ، حيث أرشدتني ، فإني كنت أعبد زمزم منذ أيام ، ثم تركه ومضى . وأكثر المتوكلين سكونهم وطمأنينتهم إلى المعلوم . وهم يظنون أنه إلى اللّه ، وعلامة ذلك : أنه متى انقطع معلوم أحدهم حضره همّه وبثّه وخوفه . فعلم أن طمأنينته وسكونه لم يكن إلى اللّه . ومنه : اشتباه الرضى عن اللّه بكل ما يفعل بعبده - مما يحبه ويكرهه - بالعزم على ذلك ، وحديث النفس به . وذلك شيء والحقيقة شيء آخر . كما يحكى عن أبي سليمان أنه قال : أرجو أن أكون أعطيت طرفا من الرضى ، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضيا . فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول : هذا عزم منه على الرضى وحديث نفس به . ولو أدخله النار لم يكن من ذلك شيء . وفرق بين العزم على الشيء وبين حقيقته . ومنه : اشتباه علم التوكل بحال التوكل . فكثير من الناس يعرف التوكل وحقيقته وتفاصيله . فيظن أنه متوكل ، وليس من أهل التوكل ، فحال التوكل : أمر آخر من وراء العلم به . وهذا